عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

154

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

أتيت ذلك المسجد ، فإذا أنا بثلاثة رجال قد جعلوا رؤوسهم في مرقعاتهم ، فلما أحسوا بي أخرج واحد منهم رأسه وقال : يا أبا القاسم ، لا يغرنك حديث إبليس الخبيث لعنه اللّه ، ثم رد رأسه رضى اللّه تعالى عنهم ونفعنا بهم . ( الحكاية الثامنة والعشرون بعد المئة : عن الجنيد أيضا رضي اللّه عنه ) قال : كنت جالسا في مسجد الشونيزية أنتظر جنازة أصلى عليها ، وأهل بغداد على طبقاتهم جلوس ينتظرون الجنازة ، فرأيت فقيرا عليه أثر النسك ، فقلت في نفسي : لو عمل هذا عملا يصون به نفسه عن سؤال الناس كان أجمل ؛ فلما انصرفت إلى منزلي ، وكان لي شئ من الورد في الليل من البكاء والصلاة وغير ذلك ، فثقل على جميع أورادى ، فسهرت وأنا قاعد ، وغلبتني عيني فنمت فرأيت ذلك الفقير جاءوا به على خوان ممدود ، وقالوا لي كل لحمه فقد اغتبته ، وكشف لي عن الحال ، فقلت ما اغتبته ، إنما قلت في نفسي شيئا ، فقيل لي ما أنت ممن نرضى منك بمثله ، اذهب فاستحله ، فأصبحت ولم أزل أتردد حتى رأيته في موضع يلتقط من الماء أوراقا مما يتساقط من غسل البقل ، فسلمت عليه ، فقال : هل تعود يا أبا القاسم ؟ فقلت لا ، فقال : غفر اللّه لنا ولك ، رضى اللّه تعالى عنهم ، ونفعنا بهم آمين . ( الحكاية التاسعة والعشرون بعد المئة : عن إبراهيم الخواص رضي اللّه عنه ) قال : كنت في جبل لكام ، فرأيت رمانا فاشتهيته ، فدنوت منه وأخذت منه واحدة ، فشققته فوجدته حامضا ، فمضيت وتركت الرمان ، فرأيت رجلا مطروحا قد اجتمع عليه الزنابير ، فقلت السلام عليك ، فقال وعليك السلام يا إبراهيم ، قلت كيف عرفتني ؟ فقال من عرف اللّه تعالى لا يخفى عليه شئ ، قلت له : أرى لك مع اللّه حالا ، فلو سألته أن يقيك ويحمبك من هذه الزنابير ، فقال : وأرى لك مع اللّه تعالى حالا ، فلو سألته أن يقيك ويحميك من شهوة الرمان ، فإن لدغ شهوة الرمان يجد الإنسان ألمه في الآخرة ، ولدغ الزنابير يجد ألمه في الدنيا ، قال إبراهيم : فتركته ومشيت ، وأنشد في ذلك : نون الهوان من الهوى مسروقة * فأسير كل هوى أسير هوان * قلت : قوله : من عرف اللّه لا يخفى عليه شئ ، أي شئ توجه إليه أو قصده أو تعلق به أو أطلعه اللّه تعالى عليه أو نحو ذلك من تخصيص اللفظ